السيد محمد سعيد الحكيم

499

فاجعة الطف (أبعادها، ثمراتها، توقيتها)

كانت تقتله إن لم يفعل ما فعلت . إن العرب كرهت أمر محمد ( ص ) ، وحسدته على ما آتاه الله من فضله ، واستطالت أيامه ، حتى قذفت زوجته ، ونفرت به ناقته ، مع عظيم إحسانه إليها ، وجسيم مننه عندها ، وأجمعت منذ كان حياً على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته . ولولا أن قريش جعلت اسمه ذريعة إلى الرئاسة ، وسلماً إلى العز والإمرة ، لما عبدت الله بعد موته يوماً واحداً ، ولارتدت في حافرتها ، وعاد قارحها جذعاً ، وبازلها بكراً . ثم فتح الله عليها الفتوح ، فأثرت بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجهد والمخمصة ، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً . . . » « 1 » إلى آخر ما تقدم عنه ( ع ) في أوائل الفصل الأول من المقصد الثاني . والحاصل : أن ملاحظة وضع المسلمين عند ارتحال النبي ( ص ) للرفيق الأعلى ، وما تتابع من أحداث مأساوية ، يشهد بوهنهم وضعفهم عن الحفاظ على استقامة مسيرة الإسلام أمام ضغط الحزب القرشي ومؤامراته ، إما خوفاً منه ، أو لعدم تركز الدين في نفوسهم ، بحيث ابتلوا بالتواكل والتخاذل واللامبالاة . ولله أمر هو بالغه . فكان أمير المؤمنين ( صلوات الله عليه ) مضطراً للتعامل معهم بالوجه الذي حصل ، والاكتفاء بالحفاظ على ما يمكن أن يكبح به جماح الانحراف في الوقت المناسب ، في صراع مرير طويل قدره الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة . والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه . وله الأمر من قبل ومن بعد ، وإليه يرجع الأمر كله .

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة ج : 20 ص : 298 - 299 . وتقدم تتمة كلامه ( ع ) في ص : 167 .